الطبيعة هي غذاء الروح للإنسان

kurdistan-buhust-garden-of-eden لافا علي

إن التعامل مع الطبيعة والتعمق فيها يحتاج إلى ثقافة ومعرفة وأخلاق، فإذا قمنا بالمراجعة أو الغوص فيها من خلال النقاش على العلاقة القائمة بين الإنسان والطبيعة فإننا سنرى الموضوع قابلا للبحث والجدل فيه، لذا يتطلب من المرء التعمق في دراسة الموضوع، ووضعه بعين الاعتبار من جديد، فكلما ازدادت التخريبات في تعامل الإنسان مع الطبيعة، كلما ازدادت الكوارث والمخاطر على الكون والبشرية جمعاء، أو بالأحرى على كافة الكائنات الحية.

علاقة الإنسان مع الطبيعة ضمن واقع الحياة:

إنَّ العلاقة مع الطبيعة يجب أن لا تكون على أساس تقرب مادي فقط لتلبية حاجة الإنسان أو استثمار خيراتها ومواردها لخدمة مصالحه فقط، حيث إن القسم الذي يقوم باستثماره يقوم بتدمير الطبيعة وتخريبها كما يشاء.

إن الطبيعة غذاء الروح بالنسبة للإنسان، فكما إن الإنسان كائنً حي وله حواس يدرك ويشعر بها، فأن الطبيعة  ذات حساسية في ذاتها لان لكل كائن حي خاصية يتميز بها والنباتات أيضا كائنة حساسة أيضا تتأثر بالمحيط والمناخ. فإذا حدث خلل بسيط  في توازن المناخ فان ذلك يؤثر مباشرة على النباتات و البيئة بشكل عام، أي أن الطبيعة لها حساسيتها الخاصة بها.

فعلى سبيل المثال تحتاج النبتة من اجل نموها إلى الماء والتربة والهواء النقي، بقدر حاجة الإنسان إلى الأكل والشرب، هنا تكمن العلاقة بين الكائنات نفسها، أي علاقة تكامل بين بعضها البعض، وتطوير هذه العلاقة يدل على النظرية الديالكتيكية الجدلية، وأيضا  هنا يظهر بكل وضوح مدى تقرب المرء من الطبيعة، أي إنه من المفروض أن يكون التقرب بشكل أكثر حساسية ودقة، حينها فقط يمكن كسب و استيعاب حقيقة وفهم الطبيعة بشكل جيد، طبعا هذا يحتاج  إلى الثقافة والمعرفة والإبداع بحد ذاته، إن العيش في  الطبيعة ليس عملا بسيط لدى الفرد ولكن في نفس الوقت إن ممارسة الإنسان لمواهبه وحبه للطبيعة ووضع هذه المواهب في خدمة الطبيعة تمكنه من العيش فيها، حينها فقط يمكنه خلق علاقة حميمة مع الطبيعة والتوحيد والتضامن روحيا ومعنويا معها، وان يحيا في قلب أحضان الطبيعة ويتعامل معها بلطف وحيوية يتماسس ويندمج مع روحها، حينها يكون أكثر تقربا من جوهره الحقيقي للطبيعة، وأيضا قدرته على معرفة  إنتاجها وفائدتها على كافة الكائنات الحية الأخرى، وهذا يزيد من مستوى معرفة ثقافة المجتمع الطبيعي أكثر فأكثر عند الإنسان.

إن أغلبية النباتات لها فوائد كثيرة أو نستطيع القول أن لها تأثير بجانبين ألا وهو الجانب  الإيجابي والسلبي، ولكن المهم هنا هو كيفية التقرب والتعامل معها  بشكل موضوعي وعلمي، فإذا لم يكن هناك علاقة سليمة بين الإنسان والطبيعة، فأنه لا يمكن الحصول على أية مكتسبات من الطبيعة ، كالذهب الأصلي وهذا يؤدي إلى فقدان الإنسان لروحه المغذية في  الطبيعة، و الذي يعتبر جانبه الروحي والمادي في نفس الوقت.

في حقيقة الأمر يدل هذا على بعد الإنسان وغيابه عن جوهره وحقيقته. أي إننا هنا وجها لوجه أمام حياة تسير بموجب المبدأ الايكولوجي، وغير ذلك معناه فتح الأبواب على مصاريعها أمام الكوارث البيئية التي وصلت أبعادا ضخمة في أيامنا الراهنة هذه.

إذا القينا نظرة إلى التاريخ البعيد الأمد سنلاحظ بان العلاقة الموجود بين الإنسان القديم والطبيعة بالأخص في  المرحلة المشاعية البدائية في عهد تطوير الثورة النيولوتيكية التي تعرف بالثورة الزراعية والتي اندلعت في أحضان جبال زاغروس الشامخة، وحيث كان للمرأة دورها الملحوظة فيها و تأثيرها الكبير في تلك المرحلة، فإذا تمعنا في علاقة الإنسان مع الطبيعة في تلك المرحلة  سنلاحظ بان العلاقة التي كانت سائدة علاقة طبيعية بعيد وخالية عن الاستغلال والملكية والإبادة بل يسود فيها الاحترام وتكامل طرف للأخر، فحتى ولادة الإنسان وعيشه كانت  في أحضان الطبيعة، وبالأخص فان المرأة كانت أكثر تلاحما مع الطبيعة والذي أدى بدوره إلى وصول المرأة إلى مستوى الخلق والإبداع ونتيجة هذه العلاقة وتطويرها أدى إلى اكتشاف المرأة للزارعة وفوائدها  للبشر واستخدام النباتات والأعشاب كعلاج طبيعي لمعالجة الأمراض من اجل تطوير العلاقة بين الطبيعة والحيوان والإنسان وجعلها علاقة متكاملة.

فان تقرب الإنسان وخاصة المرأة من الطبيعة في مرحلة  المجتمع الطبيعي قد ترك أثراً كبيرا في ذاك الحين أي في عهد نظام الأمومة البعيد كل البعد عن الملكية الخاصة، كما نعلم انه منذ بداية ظهور الملكية الخاصة (الفردية)  ظهرت معها السلب الحقيقي للإنسان واستغلاله للطبيعة  حيث اعتمد المجتمع العبودي الطبقي على الذهنية الحاكمة وسلوكيات المجتمع الدولتي لذلك بقدر ما تصاعدت التناقضات الداخلية للمجتمع، تزايد تناقضاتها مع المحيط الخارجي حيث فرض الإنسان حاكميته على الطبيعة ولان أخلاق الطبقات الحاكمة والذهنية  المتسلطة عندما تنظر في تحكمها للطبيعة ترى فيه أخلاقا نبيلة وسلوك راق.

فانه بهذا  المفهوم الممتد من التاريخ البعيد  إلى وقتنا الحالي جلب معه الكثير من التخريبات والتدمير في الطبيعة والبيئية لا يتصورها العقل البشري حتى وصل به  إلى مستوى جعل  فيه الطبيعة ساحة أو حقل لتجارب المواد السامة والكيماوية وأصبح الإنسان كوحش مفترس يهاجم على الطبيعة  بلا هوادة ورحمة .

إن الطبيعة تتعرض في يومنا الراهن لأشد أنواع التخريب سواء في تلوث البيئة أو في فقدان التوازن من خلال طبقة الأوزون (حدوث ثقب في طبقة الأوزون) والذي يتسبب في ظهور الأمراض وتلف الغطاء النباتي والتقليل من أنواع الحيوانات (انقراض الحيوانات تدريجيا) والتسبب في زيادة عدد الضحايا البشرية،  بالأخص في القرن الحادي والعشرين حيث  تتعرض البيئة والمجتمع إلى المهالك والكوارث الجدية ولغاية الخطورة على الكون فقد ازدادت نسبة الأمراض التي لم يتم معالجتها حتى الآن وأيضا  فقدان التوازن في المناخ البيئي وهناك احتمالات (علماء الصخور) العصرية بان العالم أمام خطر جدي أي من الممكن حدوث الفيضانات في قسم من مناطق دول العالم بشكل أعاصير قوية وأيضا حدوث  البراكين والزلازل  المدمرة و أيضا ذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، وهذا يؤثر على ارتفاع درجة الحرارة وبالتالي فان هذا يجلب معه المخاطر على حياة الكائنات والحيوانات التي تعيش في القطب الجنوبي والشمالي أيضا والخوف من انقراضها، إن هذا  يشكل  ازدياد التخريبات  في التوازنات الطبيعية للبيئة في جميع أنحاء العالم.

لذلك و من اجل إيقاف هذه المخاطر البيئية يتطلب المداخلة السريعة والمبادرة في إيجاد الحلول لهذه القضية وعدم إهمالها، لأنها تعتبر مسألة مصيرية بالنسبة للكائنات الحية جميعها وبالرغم من وجود الكثير من المؤسسات والمنظمات الايكولوجية في كافة دول العالم  وبذل الجهود الكبيرة ولكن و مع الآسف لم تستطيع هذه المؤسسات عرقلة الخطر المهدد للطبيعة لأنه و في البداية يجب عرقلة النظام المركزي والمفهوم الدولتي الذي يفوح منه مفهوم الأنانية والفردية والملكية والذي لإخفاء حقيقته يتستر تحت شعارات براقة تخدع  كل من حولها تحت اسم حماية البيئة وبناء الديمقراطية وكل هذا من اجل حماية مصالحه ومآربه، لذلك و لمحاربة هذه الذهنية  المتسلطة الحاكمة نحتاج إلى تنظيم ووعي جماهيري يقف في مجابهة هذه القوى والقضاء عليها، من اجل بناء المجتمع الايكولوجي الديمقراطي لأنه لا خيار لنا سوى هذا الحل ضمن النظام الكوني.

On May 1st, 2014, posted in: Jineolojî, KJKONLINE by