وجهاً لوجه أمام ثقافةِ اغتصابٍ متشعبة

1160عَلََمَتنا الكتب المدرسية والكثير من الكتب التي طالعناها أن البشرية كانت تعيش مجتمعاً مشاعياً بدائياً (بمعنى وحشياً) قبل بدء المدنيةِ وظهور الدولةِ بالتزامن مع تطور وسائل الإنتاج. واطلعنا كثيراً من خلالها على النظريات القائلة بتقدم الدولةِ كضرورةٍ حتميةٍ في مسار التقدم التاريخي. لكن، لنحاول هنا قراءة التاريخ مقلوباً، أي جالساً على رأسه، لنرى كيف وماذا ستكون النتائج…

إن المجتمع الذي سمي بالبدائي وحفظناه بهذا المنوال عن ظهرِ قلب، كان مجتمعاً تسوده سيادة المرأة التي أثبتت الاكتشافاتُ العلمية والأثرية المؤخرة أنها كانت تتميز بمكانةٍ خاصةٍ مرموقةٍ في ذاك المجتمع (البدائي!) بحيث سمَت بالمرأة إلى منزلةِ الإلهة. كانت الكلانات تُعتَبَر الشكل المجتمعي السائد آنذاك على مدى عشرات مليارات السنين مثلما تعتقد الاكتشافات العلمية، أي بما يُشَكِّل ثمانية وتسعين بالمائة من عمر البشرية على وجه التقريب (لنضع خطاً أحمراً عريضاً تحت هذه الجملة الهامة).

تعد الكلان الشكلَ الأولي للعائلة، حيث يمكن تعريفها بالعائلة البدائية المتمحورة حول المرأة. فقد كانت تضم المرأة وأخواتها وإخوتها (الخالات والأخوال) وأولادها الذين كانوا يُعرَفون عن طريقِ أمهم، لا الأب. ذلك أن الأب (الرجل) كان جوالاً يبحث دائماً عن الفريسة التي عليها اصطيادها. بينما المرأة، وبحكم إنجابها الأطفال وتنشئتها إياهم، فكانت تعيش حياةً أكثر استقراراً نسبةً إلى الرجل. وبِحُكمِ علاقتها مع الأرض والطبيعة، ونظراً لطغيانِ الذكاء العاطفي عليها، فقد كانت هي مكتشفة البذور (الزراعة)، ومكتشفة النار، ومكتشفة الداء الطبيعي من الأعشاب الموجودة من خلالِ خبرتها المتراكمةِ عبر آلاف السنين.

لم تكن آنذاك أية حروبٍ أو قضايا اجتماعية تُذكَر نظراً لبساطةِ المعيشةِ والتفافها حول تأمين الاحتياجاتِ الأساسيةِ من مأكل وملبس ومأمن، اللهم إلا في حال حصول كوارث طبيعية أو هجمات للحيواناتِ الكاسرة. كانت الأشكال البدائية من الفتشية والطقوس القائمة تشكل نواةَ الدين عن طريق الطوطم الذي كان يعد هوية الكلان متمثلاً في شخص الإلهة – الأنثى. كانت الحياةُ بسيطةً بالمقارنة مع تعقيداتها العصرية، ولكنها كانت مستقرةً آمنة، يعمل كل عضو من الكلان فيها حسب طاقته. وكان من يُهمل أو يُمهِل في عمله يلقى عقابه طبيعياً بالبقاء جائعاً أو التعرضِ للطرد من الكلان لأنه غير لائق بالبقاء فيها.

كل ما ذكرناه من عوامل بخطوطها العريضةِ جداً تسميها كتب التاريخ المعاصر (الحديث) بالمرحلة البدائية (الوحشية) من البشرية! فأين تكمن الوحشية من بين تلك المزايا والعوامل؟ أليست هي شكل الحياة الطبيعيةِ التي يتمناها ويَحلم بها كل فردٍ يتطلعُ إلى الاستقرارِ والأمن في حياتنا العصرية؟ ألم تكن تلك المرحلة مهدَ الاكتشافاتِ التي تُعَدُّ الإنسانيةُ اليوم مَدينةً لها بالفضلِ الكبير في حياتها ووصولها إلى اليوم، ولا تزال تستند إليها في تطوير الاختراعاتِ العلميةِ الحديثةِ وإضفاء شكلٍ آخر عليها؟

مع مرور الزمن تحالفَ ثالوثُ الرجال المسنين والراهب والقائد العسكري (الذين اكتشفوا قوتهم ودورهم في الحياة التي لا تزال متمحورةً حول المرأة ولا تأبه لهم) على حسابِ قوةِ المرأةِ الطبيعية، مُشَكِّلين بذلك البذرةَ النواةَ لِما يُعرَف اليوم بمؤسسة الدولة (الخبرة التخصصية والدين والعسكرتاريا). لن نخوض الآن في كيفيةِ حصول هذا التحالف، مُرَكِّزين بالمقابل على ما تمخض عنه من (تطورات) وتغيراتٍ تُسمى اليوم بـ(المدنية) بل وبـ(الحضارة!!) و(التقدم) خلال الأعوام الخمسة آلاف المتبقية من عمر البشرية!

لم يحصل هذا التحول ببساطةٍ أو ما بين ليلةٍ وضحاها. بل كان حصيلةَ صراعٍ مريرٍ بين المرأة التي تتبنى كدحها وتصارع للحفاظِ عليه، وبين الرجلِ الذي بدأ يحسدها ويحقد على اقتدارِها متطلعاً إلى إنشاءِ (سلطته) هو عن طريقِ (اغتصابِ) وسلبِ كل مكتشَفاتِ المرأة التي كانت تُعرَفُ آنذاك بالـ”ماءات” المائة والأربعة. وهذا ما شكَّل بدوره أرضيةَ ودعامةَ الدولةِ بأبسطِ أشكالها للسير بعدها قُدُماً على دربِ مأسستها.

أي أن ما حصل هو اغتصابُ كدحِ المرأة، وسلبها أمومتها للأطفال بنَسبِهم إلى الأب الذي بات متحكماً بالمرأة وحاكماً عليها، وبتحويل المرأة إلى مُلكيةٍ خاصةٍ بالرجلِ في بيت خاص سمي بالمنزل الذي يضم حيزاً سمي بالعائلة البطرياركية، والتي غدت فيما بعد وإلى يومنا الراهن النواةَ الأساسيةَ للدولة أياً كان شكلها أو نظام حكمها.

بات الحكم ذكورياً، وصار الرجل في المنزل (رب البيت) وإمبراطوراً صغيراً عبداً للإمبراطورِ العظيم الأكبر، وسيداً على زوجته وأولاده، مالكاً إياهم بكلِّ ما فيهم من بدنٍ وروح. بمعنى آخر، مغتصباً إياهم، وسالباً منهم كلَّ حقوقهم كبشر… فمَن يَكون صاحب المُلك، يَكون في الوقتِ نفسه المغتصب النهاب على دربٍ سمي بالتقدم التاريخي الحتمي الذي لا مفر منه، وسمي بالمدنية ثم الحداثة والحياة العصرية مؤخراً.

نعي من ذلك أن الاغتصاب، وبالأخص اغتصاب المرأة ليس مجرد عمليةِ اغتصابٍ جنسيٍّ لها، بل إن الاغتصاب ثقافة قائمة بذاتها منذ خمسة آلاف سنة، أي منذ أن صار الرجل حاكماً ومالكاً وباتت المرأة محكوماً ومملوكاً بجسدها وعواطفها ومشاعرها وروحها. حيث غدت منذ ذاك الحين “كياناً ناقصاً” و”ناقصة العقل والإيمان” و”يجب التحكم بها واختزالها إلى أداةٍ جنسيةٍ مثيرةٍ للشهوة”، وتحولت إلى “حقل يحرثه الرجل كما يشاء ومتى شاء”، بل إلى مخلوق “يجب ألا يَنقُصَ المَنيُ من رحمه والعصا من على ظهره”… وكثرت الأمثال والمقولات والأدبيات والروايات عن المرأة بشكل مقلوب يبدو ظاهرياً وكأنه يسمو بها باسم العشق والحب، بينما لدى الإمعان فيه نرى أنه يحط من شأنها إلى الحضيضِ الحالك بقلبِ ثقافة الإلهة – الأنثى المعمرة عشرات مليارات السنين إلى ثقافة التغني بالمرأة كأداةٍ جنسية مسلية.

في ظل ثقافة الاغتصاب هذه المعمرة خمسة آلاف سنة فحسب، والتي كانت تسير بأفظظ أشكالها في العصور القديمة، بينما أصبحت مع الزمن أكثر دقة وخفيةً مع اكتساب الرجل (الدولة – السلطة) الخبرة والمهارة الكبرى في هذا المجال؛ في ظل ثقافةٍ كهذه، هل يمكننا الحديث عن علاقة متساوية بين المرأة والرجل؟ أي مساواةٍ نقصدها، سواء كان جواباً بالرد إيجاباً أو سلباً؟ وبموجب أي معيارٍ نحدد هذه المساواة؟ ومن الذي يحددها؟ القانون؟ ومن الذي شرَّع القانون وصاغه؟ أليس الرجل هو من سَنَّ القوانين التي ليست سوى نتيجة لمصالحه في الحكم والسيادة والسيطرة؟ ألم تظهر الحقوق إلى الميدان بعد غياب الأخلاق أو الحط من شأنها على يد دولة الرجل وسلطته؟ هل هذه الحقوق التي تسمى اليوم بالمدنية أو العصرية أكثر رسوخاً من الأخلاقِ الأولى التي كانت تسود المجتمع الطبيعي (الذي يُزعَم أنه بدائي) وأكثر عدالة منها؟ هل استطاعت  هذه الثقافة توطيد الأمن والاستقرار ولو بدرجةٍ أقل مما كانت عليه الأخلاق في المجتمع الطبيعي؟ هل كان هدف الحروب الناشبة والمجازر الحاصلة هو فعلاً استتباب الأمن والدفاع عن الكرامة والحرية، أم كان بهدف المزيد من مُراكمة رأس المال وصولاً إلى الربح الأعظمي؟ هل حققت القوانين والحقوق السائدة حتى في يومنا الراهن إنجازات عظيمة تدل على زوال الفقر والجوع والبطالة، أم زاد الشرخ بين الفقراء والأغنياء بحيث ازداد ثراء الثري وإفقار الفقير؟ هل جيش العاطلين عن العمل محض صدفة أو ضرورة حتمية لتقدم التاريخ، أم أنه حصيلة ثقافة الاغتصاب هذه، والتي لا تأبه إلا بمصالحها ومنافعها في الكسب وتكديس الربح؟ هل هذه الصورة المرعبة تدل على المدنية، وصورة المجتمع الطبيعي تدل على البدائية (الوحشية)؟

لا أظن أن أحداً من المطلعين على التاريخ والقارئين إياه بعين سليمة سوف يرد إيجاباً على هذه التساؤلات والكثير من الأسئلة الأخرى التي لا عد لها ولا حصر. بالتالي، فالمساواة بين المرأة والرجل ليست مسألة تشريع حقوقٍ أو سن قوانين أو دساتير، بل هي أكبر من ذلك بكثير. إنها قضيةٌ ذهنية. إنها قضيةُ ثقافة تعتمد على الأخلاق والسياسة السليمة. فما لَم يتم القضاء على ثقافة الاغتصاب الراسخة هذه، لا يمكن الحديث عن أية مساواة حقيقية أو جذرية سليمة بين الجنسين. كما من غير الممكن الحديث عن حرية المرأة ما لَم تتخلص من كابوس الاغتصاب المرعب الذي يقض مضجعها، سواء في (البيت الخاص) أو في مكان العمل أو أي وسطٍ تتواجد فيه، لأن فكر ونظام وذهنية الرجل هي السائدة والمهيمنة.

إننا وجهاً لوجه أمام ثقافة اغتصاب متشعبة محاصرة للمرأة وبالتالي للبشرية جمعاء. وتخطيها والتغلب عليها ليس بالأمر البسيط. فالمروجون لهذه الثقافة المهيمنة هم أصحاب خبرة متراكمة منذ آلاف السنين. وخرق هذا الحصار المطوِّق للمرأة يقتضي النضال الدؤوب والمنظم والواعي دون كلل أو ملل. كما يتطلب الحِراك بنشاط وفاعلية في كافة الميادين وعلى هدى أيديولوجيا واضحة المعالم وراسخة الدعائم وحاسمة المبادئ.

من هنا تتجلى أهمية أيديولوجية حرية المرأة، التي صاغها القائد عبد الله أوجلان وبيَّن مبادئها الرئيسية الخمسة وطوَّرها منذ عام 1998 وحتى يومنا الراهن. حيث طوَّر بدايةً مشروعَ قتل الرجولةِ في شخصيةِ الرجل والاسترجال في شخصية المرأة، مارّاً بالقضاء على الذهنية والثقافة، ثقافة الاغتصاب والسلب والنهب المدمِّرة والمعمرة خمسةَ آلاف سنة، بالغاً بها مؤخراً إلى مستوى الانقطاع اللانهائي من هذه الذهنية، أو حسب تعبيره (الطلاق اللانهائي) من هذا الزواج الإرغامي المفروض مع نظام الرجل على حسابِ المرأة من جميع النواحي.

بالتالي، ومقابل حكايات العشق الرومانسي الذي تسرده لنا الروايات وتزينه وتزخرفه بأجواء مخملية بعيدة عن الواقع المعاش، والذي يزيد من الطين بلة ويرسخ اغتراب المرأة عن ذاتها، وبالتالي غرقها في دوامة مسدودة لا نهاية لها؛ نقول وننادي بالطلاق اللانهائي من هذه الثقافة الذكورية المهيمنة، إلى أن تترسخ ثقافة المرأة الديمقراطية الحرة، وتتوطد مبادئها، وإلى أن يكتمل مبناها الذهني والثقافي، مُوازِنةً بذلك بين ذكاءَيها العاطفي والتحليلي بأفضل الأشكال، مما سيكون الشمعة التي تنير درب المرأة والرجل على السواء، سائقةً التاريخَ إلى مجراه الطبيعي، ومارةً بالبشرية إلى درب الخلاص من الكابوس المرعب الذي يدك دعائمها ويقض مضجعها على حسابات الربح الجليدية. فهل أنتن جاهزات للبدء بالسير وتحمل المصاعب وتقديم شتى أنواع التضحيات اللازمة في سبيل مستقبل مشرق لكن ولأطفالكن؟ أعتقد أن الجواب هذه المرة هو “نعم” بالخط الكبير والعريض.

On November 22nd, 2013, posted in: Jineolojî by